وصل الموت وصل منذ البداية بطريقة يصعب تجاهلها. كنت لا أزال في الطريق من محطة السلام إلى بلبيس، ومنها إلى قرية أبو عزباوي في وادي الملاك، مسقط رأس 12 من الشبان الثمانية عشر الذين لقوا حتفهم في حادث الإسماعيلية، وكان معظمهم دون العشرين عامًا، بعدما قضوا نحبهم في طريق عودتهم من العمل باليومية في مزرعة الأمل بالإسماعيلية.


يتتبع تقرير ميداني أعده الصحفي يوسف عقيل ونشر في موقع المنصة أوضاع قرى وادي الملاك بعد حادث مصرع العمال الزراعيين، ويرصد حياة أسر الضحايا ومشكلات الطرق والمياه والكهرباء والخدمات الأساسية، وصولًا إلى حضور المسؤولين والسياسيين بعد وقوع الكارثة.


في عام 2012، نشرت «الدستور» تقريرًا عن إصابة نحو 200 من سكان القرية بالمرض، ما دفع وزارة الصحة آنذاك إلى إجراء مسح بيئي للوقوف على أسبابه. ولا نعرف شيئًا عن نتائج المسح. وبعد ثلاث سنوات، نشرت «اليوم السابع» تقريرًا بعنوان «قرية أبو عزباوي بالشرقية: السرطان موجود كالماء والهواء.. المرض قتل أكثر من 200 شخص في كيلومتر مربع واحد»، ضمن سلسلة عن «قرى السرطان».

 

ويوم الاربعاء، اشتدت رائحة الموت، وصارت أكثر ثقلًا، عندما ظهرت سيارة تعرضت لحادث في منتصف الطريق، تحيط بها ثلاث سيارات للشرطة وسيارة إسعاف.


حتى اختيار السائق للطريق بدا وكأنه يقود إلى الإحساس ذاته. فبدلًا من المرور عبر بلبيس، سلك الطريق الإقليمي، وهو الطريق نفسه الذي شهد حادثًا مشابهًا الصيف الماضي قرب أشمون في المنوفية، عندما لقيت 18 فتاة مصرعهن وأصيبت ثلاث أخريات أثناء توجههن إلى العمل باليومية في مزرعة عنب.


ويصف الكاتب رحلته إلى القرية قائل: "وصلنا إلى بلبيس، ومن هناك استقليت ميكروباصًا آخر إلى وادي الملاك. وعلى الطريق رأيت شبانًا متكدسين داخل سيارة نقل مكشوفة، يزيد عددهم على 15 شخصًا، بعضهم يتشبث بجوانب الصندوق، وآخرون يجلسون فوقه. تمنيت ألا أشهد حادثًا جديدًا".


وتابع: "نزلت عند كوبري الفل، قبل قرية العباسة الصغرى. بدا كوبري المشاة مهيأً للانهيار؛ إذ اخترقت قضبان التسليح خرسانة أنهكها الزمن، واهتزت أساساته مع مرور كل سيارة على الطريق أسفله. عبرته ووجدت نفسي عند أطراف وادي الملاك".


«الوزير جاي».. طريق لا يُصلح إلا حين يصل المسؤولون


يبدأ طريق وادي الملاك من كوبري الفل، ويربط محافظتي الشرقية والإسماعيلية، ويمتد لنحو تسعة كيلومترات عبر عدة قرى، من بينها القرى الأربع التي تسكن فيها أسر الضحايا: عزبة الشلاح، وأبو أجوة، والدواودية، وأبو عزباوي.


من هنا، تتحول المواصلات إلى اختبار للتحمل. فلا توجد ميكروباصات ولا حافلات، ولا يبقى أمام السكان سوى سيارات النقل ذات الصندوق المفتوح التي تقلهم إلى القرى.


استقبل الكاتب الأغنام والمواشي عند بداية الطريق حيث انتظر أكثر من نصف ساعة في حرارة اقتربت من 40 درجة مئوية. وعندما وصلت إحدى سيارات النقل، اندفعت النساء للصعود. وكادت إحداهن تسقط مع رضيعها عندما تحرك السائق فجأة وهي لا تزال تصعد، لكن نساء أخريات تمكنّ من إنقاذهما في اللحظة الأخيرة. ولكن الكاتب أن يستقل «التوكتوك»، أو «الطفطف» كما يسميه السكان هناك.


على الطريق كانت هناك آثار تربة صفراء ولودر وسيارات تابعة للوحدة المحلية لمركز ومدينة أبو حماد، إلى جانب سيارات لرش المياه، تمر لضغط التربة وترقيع بعض عيوب الطريق؛ وهي عيوب شعر بها الكاتب بوضوح داخل «الطفطف»، من الاهتزاز المتواصل بسبب الحفر والتشققات والنتوءات على جانبي الطريق.


لم يستطع السائق تجاوز سرعة 15 كيلومترًا في الساعة، ولم يستطع أيضًا كبح غضبه وهو يتحدث عن أن الطريق لا يُمهَّد ولا يُعتنى به إلا لأن «المسؤولين» قادمون، على حد قوله، في مشهد يذكّر بفيلم إبراهيم الشقنقيري «الوزير جاي» الذي عرض عام 1986، وجسّد بصورة ساخرة هذا الفشل المزمن والمستمر في تطبيق قواعد السلامة.


ولكي تدخل أي قرية من الطريق الرئيسي، عليك أن تعبر جذع نخلة متهالكًا موضوعًا فوق الترعة، أو عارضة خرسانية أو خشبية ضيقة بالكاد تكفي لمرور شخص واحد، يتعين عليه عبورها بحذر شديد حتى لا يسقط في المياه. وحدها عزبة الدواودية تمتلك جسرًا خشبيًا يتسع لشخصين، لكنه هو الآخر يتداعى، وكأن عمره لم يعد يسمح له بحمل المزيد من الأوزان.


بعد المرور على منازل الضحايا في القرى الأربع، ثلاث منها لا يمكن الوصول إليها إلا عبر جذوع النخيل المغمورة بالمياه، أخبر عقيل السائق أنني أريد الذهاب إلى سرادق العزاء في أبو عزباوي. وما إن نزلت من «التفتاف» حتى وجدت عددًا من النجارين يعملون فوق الترعة لبناء جسر جديد. ألواح خشبية، ومسامير، وحركة لا تهدأ. كان العمل قد أوشك على الانتهاء، فضحك السائق وقال: «مش قلت لك؟ المسؤولين!».


واصل عقيل طريقه إلى سرادق العزاء، الذي بدا مختلفًا تمامًا عن الطريق المؤدي إليه. فقد كان سرادقًا ضخمًا ومجهزًا بعناية، تمتد مظلته فوق مساحة واسعة حوّلها أهل القرية إلى ملعب لكرة القدم. وهناك علم من السكان أن المحافظة هي التي دفعت تكاليف تجهيز السرادق بهذا الشكل، بما يلائم حضور المسؤولين، بعدما دفعت كذلك تكاليف إصلاح الطريق وبناء الجسر حتى يصلوا إلى مكان العزاء بالشكل اللائق نفسه.


الموت يفتح باب الأسئلة.. «هل لازم كلنا نموت عشان حد يبص لنا؟»


وقف عند مدخل السرادق عدد من أعيان القرى وأكثر من عمدة. وفي الداخل، كانت الوجوه غارقة في الحزن. أما أسر الضحايا، فكانت في منازلها تستقبل المعزين، لذلك قرر الكاتب التوجه إليها بدلًا من البقاء في السرادق. وعندما خرج، وجد الجسر الخشبي قد أوشك على الاكتمال، بل غُطيت أجزاء منه بمظلة سرادق العزاء.


انطلق عقيل مع شاب من القرية كان يعمل، مثل الشبان الذين لقوا حتفهم في الحادث، لدى المقاول المعروف باسم «عم سيد»، الذي يتولى نقل عمال القرية إلى مواقع العمل، ومنها مزرعة الأمل في الإسماعيلية، باستخدام خمس سيارات نقل مكشوفة. يغادر العمال القرية بعد الفجر، ويواصلون العمل حتى الظهر، ثم يحصلون على استراحة لمدة ساعتين، قبل أن يعودوا إلى العمل حتى بعد صلاة العصر.


يتراوح أجر العامل اليومي بين 200 و300 جنيه، أي نحو 4 إلى 6 دولارات، بحسب كمية العمل المنجزة. ويحصل الأطفال على أجر مختلف. ويتغير العمل وفقًا للموسم؛ فيقضي العامل يومًا في مزارع البرتقال، وآخر في بساتين المانجو. ولأن سيارات النقل المكشوفة تمثل وسيلة المواصلات الرئيسية في القرية، فإن الركوب فيها ليس أمرًا استثنائيًا بالنسبة إليهم.

 

يقول أحدهم: «إحنا متعودين على العربيات دي، دي أصلًا مواصلاتنا».


ويضيف الكاتب: "توجهنا إلى أقرب تجمع سكني، يبعد نحو كيلومتر ونصف، وقطعنا المسافة سيرًا على الأقدام إلى عزبة الشلاح، حيث كان يقام عزاء محمد السيد محمد، الطالب في السنة الأخيرة بالمدرسة الثانوية التجارية والعامل باليومية في المزارع. جلس الرجال في غرفة الضيوف، بينما بقيت النساء داخل المنزل".


وتابع: "استقبلني في غرفة الضيوف عم سيد، وهو رجل في أواخر الخمسينيات يحظى باحترام كبير داخل القرية، وكان يتولى استقبال الصحفيين. سألني: «مش تحب تسجل مع أبو الشهيد؟ الراجل غلبان وظهره مكسور»".


يعمل الأب في إحدى المزارع، ولم يرَ ابنه محمد منذ أسبوع. قال: «كنت هناك الأسبوع اللي فات، شغال باليومية، أي شغلانة تيجي. في موسم الصيف بشتغل في المانجا شهرين، وباقي السنة مفيش شغل».


يحصل سيد، والد محمد، على ما بين 200 و300 جنيه يوميًا. يقول: «الشغل بالقطعة.. كل ما تشتغل أكتر تاخد فلوس أكتر». وزادت ظروف الأسرة سوءًا بعدما حُرم من برنامج «تكافل وكرامة». ويضيف: «مفيش أي دعم من الدولة خالص». وكانت سيارة قد صدمته في وقت سابق، ولا تزال آثار إصابة قدمه واضحة، وهو يعتقد أن «الدولة نسيتنا».


أما محمد، الذي لم يكن قد أتم عامه السابع عشر، فكان «يخرج وقت الفجر ويرجع الساعة خمسة العصر، أو بعد المغرب، لأن الشغل بالقطعة»، وفقًا لوالده، الذي أضاف: «محمد كان أصغر واحد عندنا، بس كان حتة من عيني، وكان أقرب واحد ليا. كان دايمًا يقول لي: إنت تعبت يا بابا، استنى بس، أنا مش هخليك تشتغل تاني، أنا اللي هشيلك إنت وماما».


بكى الأب، ثم قال: «أنا خذلته». وانفجر في البكاء. فقاطعه صوت شقيق محمد الأكبر: «سيبناه في أمانة ربنا، متصورش، متصورش».


بدأ عدد من الشبان المحيطين في الحديث، وكأن موت محمد فتح بابًا لشكاوى ظلت حبيسة لسنوات.


قال أحدهم: «الناس مش لاقية حاجة، يعملوا إيه؟ يموتوا يعني؟ في ناس مش قادرة تعيش، ناس على الحافة، الموضوع مبقاش صعب بس، الناس بالعافية عايشة. ربنا يرحم».


وقال آخر: «كل كنوز الدنيا ما تعوضش طفل»


وأضاف أحد الشبان: «خلي أهل مصر اللي في الساحل، واللي بيحضروا الحفلات وتذكرة الحفلة فيها مرتب سنة كاملة، ييجوا يشوفوا بدل ما ينظروا علينا ويقولوا لنا ليه العيال بتشتغل. شوفوا مصر! شوفوا الناس الحقيقية في البلد دي! مفيش شغل غير مصانع العاشر من رمضان، ودي مبتاخدش حد أقل من 18 سنة، غير شغل باليومية في التعبئة أو المزارع. إحنا ناس بنعمل اللي نقدر عليه، كل اللي عندنا صحتنا وجسمنا، وبنبيعهم عشان نعيش.. بس والله بنموت ألف مرة».


اشتكى أحد الشبان كذلك من أزمة المياه اليومية قائلًا: «مش لاقيين مياه نشربها. الميه ريحتها صرف وبتقطع مرة أو مرتين في اليوم، أمي مريضة وعندها غسيل كلوي، والجو نار. والكهربا بتقطع ساعتين بعد الظهر، في عز الحر».


وأضاف آخر أن قرى وادي الملاك لا توجد بها شبكة صرف صحي ولا مستشفيات، موضحًا أن أقرب مستشفى هو مستشفى أبو حماد، الذي يمكن الوصول إليه عبر الطريق نفسه الذي سلكته للتو.


قال: «الطريق وحش. ما صلحوه إلا من امبارح بالزلط والرمل والمياه». ثم أخرج هاتفه وقال: «تحب اوريك الطريق عامل إزاي بجد؟». وشغّل مقطع فيديو، ثم أخذ يتصفح صورًا لطريق مظلم يمتد بمحاذاة الترعة، بدا طرفه مهددًا بالانهيار.


ثم طرح السؤال الذي لا يحتاج إلى إجابة: «هل لازم كلنا نموت عشان حد يبص لنا؟»


مصر القرية.. ومصر القصر


فقدت قرية أبو عجوة شقيقين في الحادث: الأكبر كريم السيسي، وهو في العشرينيات من عمره، تزوج حديثًا ولديه طفلة تبلغ ثلاثة أشهر، والأصغر إبراهيم الذي كان يستعد للزواج. ولا تزال والدته لا تعرف أن إبراهيم توفي. فمنذ أن علمت بوفاة كريم، تفقد وعيها كلما استيقظت، بحسب أفراد الأسرة الذين يخشون أن يفوق إخبارها بوفاة إبراهيم قدرتها على التحمل.


رفضت الأسرة إقامة العزاء في السرادق الجماعي بأبو عزباوي. وفي اليوم السابق، زار رئيس مجلس المدينة منزل أحمد، عم كريم وإبراهيم، لكن الأسرة أصرت على البقاء في قريتها.


قال أحد أقارب الأسرة: «ده العزاء الوحيد. المحافظة كانت فين قبل ما الناس تموت؟». وأضاف: «مش هنقف طابور عشان عضو مجلس نواب أو محافظ ياخد عزاء المفروض يكون عزانا إحنا».


ولا يمثل إقامة العزاء عبئًا ماليًا على القرية، إذ تحافظ على تقليد يعرف باسم «صندوق ميت»، يدفع بموجبه كل رجل متزوج وكل شاب يعمل بأجر 100 جنيه عند وفاة أحد أبناء القرية، لتغطية التكاليف اللازمة. كما يقع مكان العزاء في الطابق الثاني من مسجد القرية، ولذلك «مفيش تكلفة»، وفقًا للقريب نفسه.


وخارج العزاء، تمتد قائمة أخرى من الأعباء اليومية بلا نهاية. فرص العمل محدودة، والطريق سيئ، وانقطاعات المياه والكهرباء متكررة، وتتأخر أسطوانات الغاز، ولا يوجد مستشفى أو وحدة صحية مجهزة. ولشراء أبسط الاحتياجات، يضطر السكان إلى الذهاب إلى أبو حماد.


يقول أحد أقارب السيسي: «لو معاكش موتوسيكل، مش هتعرف تخلص مشاويرك»، إذ تبلغ تكلفة «الطفطف» 120 جنيهًا على الأقل في الاتجاه الواحد، بينما تظل سيارة النقل المكشوفة الخيار الأرخص، إذ تبلغ تكلفة الرحلة 25 جنيهًا في الاتجاه الواحد.


ويربط قريب السيسي ارتفاع تكلفة المواصلات بزيادة أسعار البنزين والسولار، بينما يظل الوصول إلى الخدمات الأساسية بالنسبة إلى سكان أبو أجوة رحلة لا تنتهي عند حدود القرية.


وفي الداودية، حيث فقدت القرية سبعة من أبنائها، جلست النساء أمام المنازل بملابس سوداء، يراقبن المارة بحذر. توجه عقيل إلى منزل محمد خالد، وهو شاب تزوج حديثًا وكانت زوجته، بحسب إحدى الجارات، حاملًا في شهرها السابع. لكن قبل أن أصل إلى المنزل، أوقفته إحدى قريباته وحذرته قائلة: «ما تروحش! هيطردوك. هما أصلًا بيطردوا الصحفيين. إنتوا عايزين تنتهكوا حياتنا؟ حزننا مش فرجة».


كان غضبها من تغطية اليوم السابق واضحًا: «امبارح الناس كانت بتعيط على عيالها، والصحفيين بيصوروا، والناس بتلطم وبتقطع في هدومها من الوجع، وهما بيصوروا. عايزين مننا إيه؟ كل ده عشان الريتش واللايكات؟ كنت هتعمل كده لو أمك ماتت؟ أختك؟!».


اكتفيت بتقديم واجب العزاء للأسرة وغادرت. وسرت عائدًا إلى سرادق العزاء الجماعي، مسافة تقارب كيلومترين، عبر شوارع ترابية تصطف على جانبيها منازل من الطوب الأحمر مكونة من طابقين، تتخللها الحدائق والأراضي الزراعية.


وعندما عدت، وصل النائب أحمد فؤاد أباظة بسيارته BMW X6، وتبعه النائب سليمان وهدان بسيارة دفع رباعي من طراز ROX 01، ثم النائب مدحت السنقري بسيارة جيب أقدم من سيارتي زميليه، وكلاهما أقدم منه في البرلمان.


لخص أحد السكان الجالسين ما يراه سببًا لاستمرار معاناة القرية، في ظل غياب اهتمام حقيقي من الدولة ونوابها. قال: «لو الدولة والنواب مهتمين بينا، كانت حالة الميه في القرية هتبقى أحسن». وينطبق الأمر نفسه على الطرق، إذ لم يستجب أحد للشكاوى المتكررة بشأن حالتها.


وقال: «روحنا اشتكينا لفلان وعلان، قال لنا أنا وصلت لموقعي في الوظيفة على حسابي».


وبحسب روايته، ظلت الوعود التي يسمعها السكان تتكرر من دون أن يتغير شيء على الأرض. «كلهم وعدونا إنهم هيصلحوا الطريق ويرصفوه، ومفيش حاجة حصلت».


كان عدد كبير من الصحفيين ينتظرون وصول النواب، فيما حضرت الكاميرات وومضات التصوير، إلى جانب ترحيب من عمد القرى وبعض الشبان. وفي الحشد، سألت إحدى النائبات عن «العمدة»، فرد ثلاثة أشخاص في الوقت نفسه: «أنا العمدة». وسارع أحد أبناء القرية إلى توضيح أنهم عمد قرى أخرى، ثم اصطحبها للبحث عن عمدة القرية الفعلي.


وبجواري جلس وفد من وزارة الأوقاف، يضم نحو عشرة رجال دين، كان أحدهم يصور الوفد لنحو خمس دقائق من زوايا مختلفة. وبعد ذلك، دخل عشرات الرجال المعممين، يرتدون الجلابيب البيضاء والملونة من دون عباءات، وكانت آثار الحرارة واضحة على وجوههم وملابسهم. وصل بعضهم على دراجات نارية، فتجمعوا خارج السرادق ثم دخلوا جميعًا في وقت واحد.


ويصف الكاتب المشهد من الخارج، قائلا: "ظهر موكب حكومي مكون من ست سيارات، تتقدمه دراجة نارية لفتح الطريق، وكان قائدها يصرخ ويلوح بذراعيه ويوقف المشاة لإفساح المجال. وبعد فترة قصيرة، ظهر موكب آخر من ثلاث سيارات، تتقدمه دراجة نارية أيضًا، لكنه لم يغلق الطريق أمام المشاة. بل واصل أحد السكان السير بدراجته النارية إلى جوار الموكب، وكأن شيئًا غير اعتيادي يحدث".


كان أحد الموكبين لمحافظ الشرقية، والآخر لمحافظ الإسماعيلية، لكنني لم أستطع تحديد أيهما لأي محافظ؛ فالسيارات بدت متشابهة، بل إن السكان أنفسهم خلطوا بينهما. واصطف النواب والصحفيون لاستقبال المحافظين، وبعد نحو ربع ساعة، وصلت الأطعمة إلى السرادق المكتظ.


غادر عقيل السرادق وقرر العودة إلى القاهرة. انتظر أكثر من نصف ساعة حتى ظهر «طفطف» أعاده إلى كوبري الفل. كان الليل قد حل، واستقرت العتمة في المكان. وباستثناء الضوء المنبعث من سرادق العزاء وبعض محاولات السكان إضاءة الطريق بمناسبة العزاء، لم يكن هناك مصباح واحد ينير الطريق الممتد بين القرى.


انتهى العزاء، وغادر القادمون من الخارج، لكن الطريق بقي على حاله: ترابيًا، مظلمًا على امتداده، يشق طريقه بين قرى سيواصل أهلها عبور جذوع النخيل المرتعشة للوصول إلى أعمالهم، أو إلى موتهم.

 

https://almanassa.com/en/stories/33435